ابن الأثير

533

الكامل في التاريخ

المسلمين جميع الكفّار ، فإنّ الأمور لا تجري بحكم الإنسان ، ولا نعلم قدر الباقي من أعمارنا ، ولا ينبغي أن نفرّق هذا الجمع إلّا بعد الجدّ بالجهاد . ثمّ رحل من الأقحوانة ، اليوم الخامس من نزوله بها ، وهو يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر ، فسار حتى خلّف طبريّة وراء ظهره ، وصعد جبلها ، وتقدّم حتى قارب الفرنج ، فلم ير منهم أحدا ، ولا فارقوا خيامهم ، فنزل وأمر العسكر بالنزول ، فلمّا جنّه اللّيل جعل في مقابل الفرنج من يمنعهم من القتال ، ونزل جريدة إلى طبريّة وقاتلها ، ونقب بعض أبراجها ، وأخذ المدينة عنوة في ليلة ، ولجأ من بها إلى القلعة التي لها ، فامتنعوا بها ، وفيها صاحبتها ، ومعها أولادها ، فنهب المدينة وأحرقها . فلمّا سمع الفرنج نزول صلاح الدين إلى طبريّة وملكه المدينة ، وأخذ ما فيها ، وإحراقها ، وإحراق ما تخلّف ممّا لا يحمل ، اجتمعوا للمشورة ، فأشار بعضهم بالتقدّم إلى المسلمين وقتالهم ، ومنعهم عن طبريّة ، فقال القمص : إنّ طبريّة لي ولزوجتي ، وقد فعل صلاح الدين بالمدينة ما فعل ، وبقي القلعة ، وفيها زوجتي ، وقد رضيت أن يأخذ القلعة وزوجتي وما لنا بها ويعود ، فو اللَّه لقد رأيت عساكر الإسلام قديما وحديثا ما رأيت مثل هذا العسكر الّذي مع صلاح الدين كثرة وقوّة ، وإذا أخذ طبريّة لا يمكنه المقام بها ، فمتى فارقها وعاد عنها أخذناها ، وإن أقام بها لا يقدر على المقام بها إلّا بجميع عساكره ، ولا يقدرون على الصبر طول الزمان عن أوطانهم وأهليهم ، فيضطرّ إلى تركها ، ونفتكّ من أسر منّا . فقال له برنس أرناط ، صاحب الكرك : قد أطلت في التخويف من المسلمين ، ولا شكّ أنّك تريدهم ، وتميل إليهم ، وإلّا ما كنت تقول هذا ، وأمّا قولك : إنّهم كثيرون ، فإنّ النّار لا يضرّها كثرة الحطب . فقال : أنا واحد منكم إن تقدّمتم تقدّمت ، وإن تأخّرتم تأخّرت ،